فصل: ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

الأغلب بن جشم بن سعد بن عجل بن جشم

عمر في الجاهلية طويلًا وأدرك الإسلام فحسن إسلامه وهاجر ثم كان ممن توجه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص فاستشهد في وقعة نهاوند فقبره هناك مع قبور الشهداء وهو أول من رجز الأراجيز وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قد كتب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة‏:‏ أن استنشد من قبلَك من الشعراء ما قالوه في الإسلام فقال لبيد‏:‏ أبدلني اللّه سورة البقرة مكان الشعر وجاء الأغلب بن أرجزًا تريد أم قصيدا لقد سألت هينًا موجودًا فكتب المغيرة بذلك إلى عمر فنقص من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد فكتب الأغلب إلى عمر‏:‏ أتنقص عطائي إن أطعتك فرد عليه خمسمائة وأقرها في عطاء لبيد‏.‏

 صفوان بن المعطل

ابن رخيصة أبو عمرو الذكواني السلمي‏:‏ أسلم قبل غزوة المريسيع وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهد الخندق والمشاهد بعدها قتل يوم أرمينية وقيل‏:‏ مات بشميشاط سنة ستين‏.‏

 طليحة بن خويلد

ابن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن جحوان‏:‏ وكان طليحة يعد بألف فارس لشدته وشجاعته وبصره بالحرب‏.‏

وفد طليحة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سنة تسع في جماعة فأسلموا ثم ارتدوا وادعى النبوة على ما سبق شرحه فلما أوقع بهم خالد بن الوليد ببزاخة هرب طليحة حتى قدم الشام فأقام حتى توفي أبو بكر رضي الله عنه ثم خرج محرمًا بالحج وقدم مكة فلما رآه عمر قال‏:‏ يا طليحة لا أحبك بعد قتل الرجلين الصالحين‏:‏ عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم وكانا طليعتين لخالد بن الوليد فلقيهما طليحة وأخوه سلمة فقتلاهما فقال طليحة‏:‏ يا أمير المؤمنين رجلان أكرمهما اللهّ بيدي ولم يهني بأيديهما‏.‏

فأسلم إسلامًا صحيحًا وشهد القادسية ونهاوند وكتب عمر رضي اللّه عنه‏:‏ شاوروا طليحة في عمرو بن معدي كرب بن عبيد اللّه بن عمرو بن عُصَم بن عمرو بن زبيد أبو ثور الزبيدي‏:‏ كان فارسًا شجاعًا شاعرًا له في الجاهلية الغارات العظيمة والوقائع العجيبة وكان على سيفه مكتوب‏:‏ ذكر على ذكر يصول بصمارم ذكر يمان في يمين يماني كان عمرو لقي حُييّ الكندية بذي المجاز وهي سوق عرفات فأعجبه جمالها وعقلها فعرض عليها نفسه وقال‏:‏ هل لك في كفوء كريم ضروب لهام الرجال غشوم موات لك طيب الجسم من سعد العشيرة في الصميم قالت‏:‏ أمن سعد العشيرة‏.‏

قال‏:‏ من سعد العشيرة في أرومة محتدها وعزتها المنيرة إن كنت بالفرصة بصيرة قالت‏:‏ إن لي بعلًا يصدق اللقاء ويخيف الأعداء ويجزل العطاء قال‏:‏ لو علمت أن لك بعلًا ما سمتك نفسك ولا عرضت نفسي عليك فكيف أنت إن قتلته‏.‏

قالت‏:‏ لا أصيف عنك ولا أعدك بك ولا أقصر دونك وإياك أن يغرك قولي فتعرض نفسك للقتل فإني أراك مفردًا من الناصر والأهل وصاحبي في عزة من الأهل وكثرة المال فانصرف عنها عمرو وجعل يتبعها وهي لا تعلم فلما قدمت على زوجها سألها عما رأت في طريقها فقالت‏:‏ رأيت رجلًا مخيلًا للناس يتعرض للقتال ويخطب حلائل الرجال فعرض نفسه عليً فوصفتك له‏.‏

فقال زوجها‏:‏ ذاك عمرو ولدتني أمه إن لم أتك به مقرونًا مجنونًا إلى حمل صعب المراس غير ذلول‏.‏

فلما سمع عمرو كلامه دخل عليه بغتة فقتله ووقع عليها فلما قضى وطره منها قال لها‏:‏ إني لمِ أقع على امرأة قط في جماعي إلا حملت ولا أراك إلا قد فعلت فإن رزقت غلاماَ فسميته الخزر وإن رزقت جارية فسميها عكرشة وجعل ذلك بينهما امارة ثم مضى لطيبه ثم خرج يومًا يتعرض للقتال فإذا هو برجل على فرس شاكي السلاح فدعاه عمرو للمبارزة فلما اتحدا صرع الفتى عمرأ وجلس على صدره يريد ذبحه فقال له‏:‏ من أنت قال‏:‏ أنا عمرو فقام الفتى عن صدره وقال‏:‏ أنا ابنك الخزر فقال له عمرو‏:‏ سر إلى صنعاء ولا تنافني في بلد فلم يلبث أن ساد من هو بين ظهريه فاستنفروه وأمروه بقتال أبيه وشكوا‏.‏

إليه غارات عمرو عليهم فالتقيا فقتله عمرو‏.‏

وروى عباس بن هشام بن محمد الكلبي قال‏:‏ حدَّثني أبو المنذر عن أبيه قال‏:‏ لما انتهى خبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن معدي كرب قال لقيس بن مكشوح‏:‏ يا قيس إنك سيد قومك وقد ذكر لي أمر هذا القرشي الظاهر بالحجاز الذي يزعم أنه نبيّ فانطلق بنا إليه فلنعلم علمه فإن كان نبيًا كما يقول لم يخف علينا أمره فأبى قيس وسفه رأيه فركب عمرو راحلته مع وفد من بني زبيد فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال عمرو‏:‏ فوافيته قافلًا من غزوة تبوك فذهبت أتقدم إليه فمنعت من ذلك حتى أذن لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ خلوا سبيل الرجل فأقبلت حتى دنوت منه فقلت له‏:‏ أنعم صباحًا أبيت اللعن فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يا عمرو إن لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين على الذين لا يؤمنون فآمن باللّه ورسوله يؤمنك اللّه يوم الفزع الأكبر ‏"‏‏.‏

قال عمرو‏:‏ ما الفزع‏.‏

فإني لا أفزع من شيء فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنه ليس بما ترى وتحسب إنه إذا كان يوم الفزع الأكبر صيح بالناس صيحة لا يبقى ذو روح إلا مات ولا ميت إلا نشر وما شاء اللّه من ذلك وتلج تلك الصيحة حتى تدور منها الأرض وتخر منها الجبال وتنشق منها السماء وتبرز النار لها ‏"‏ لسانان ترمىِ بشرر مثل أفلاق الجبال فلا يبقى ذو روح إلا انخلع قلبه وذكر ذنبه فأين أنت من الفزع يا عمرو ‏"‏‏.‏

قال عمرو‏:‏ لا أين يا رسول اللّه‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ فأسلم إذن ‏"‏ قال عمرو‏:‏ فأسلمت‏.‏

قال علماء السير‏:‏ أسلم عمرو وسمع من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وروى عنه ثم ارتد بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم عاد إلى الإسلام وبعثه عمر إلى سعد بن أبي وقاص بالقادسية وكتب إليه‏:‏ قد أمددتك بألفي رجل‏:‏ عمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد فشاورهما في الحرب ولا تولهما شيئًا فأبلى عمرو يومئذ بلاءً حسنًا‏.‏

قال عمرو‏:‏ وكانت خيل المسلمين تنفر من الفيلة يوم القادسية وخيل الفرس لا تنفر فأمرت رجلًا فترس عني ثم دنوت من الفيل وضربت خطمه فقطعته فنفر ونفرت الفيلة فحطمت العسكر وألح المسلمون عليهم حتى انهزموا وكان لعمرو يومئذ من العمر ثلاثين ومائة سنة‏.‏

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل عمرو بن معدي كرب عن أشياء فسأله عن الحرب فقال‏:‏ مرة المذاق إذا كشفت عن ساق من صبر فيها عرف ومن ضعف فيها تلف‏.‏

وسأله عن السلاح فقال‏:‏ ما تقول في الرمح‏.‏

فقال‏:‏ أخوك وربما خانك قال‏:‏ فالنبل‏.‏

قال‏:‏ منايا تخطىء وتصيب قال‏:‏ فالدرع‏.‏

قال‏:‏ مشغلة للفارس متعبة للراجل وإنه لحصن حصين قال‏:‏ فالترس‏.‏

قال‏:‏ هو المجن عليه تدور الدوائر قال‏:‏ فالسيف قال‏:‏ عندها فارقتك أمك عن الثكل فقال له عمر‏:‏ بل أمك قال‏:‏ بل أمي والحمى أضرعتني لك وهذا مثل معناه‏:‏ أن الإسلام أدلني ولو كنت في الجاهلية لم تجسر أن ترد عليَّ‏.‏

وقال له يومًا‏:‏ حدَّثني عن أشجع من لقيت وأجبن من لقيت‏.‏

فقال ما‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار أخبرنا الحسن بن علي الجوهري أخبرنا ابن حيوية أخبرنا أبو بكر بن خلف وحدَّثنا عنه محمد بن حريث أخبرنا القاسم بن الحسن أخبرنا العمري أخبرنا الهيثم بن عدي عن عبد اللهّ بن عياش عن مجالد عن الشعبي قال‏:‏ دخل عمرو بن معدي كرب يومًا على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال له‏:‏ يا عمرو أخبرني عن أشجع من لقيت وأحيل من لقيت وأجبن من لقيت قال‏:‏ نعم يا أمير المؤمنين‏.‏

خرجت مرة أريد الغارة فبينما أنا أسير إذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا رجل جالس وإذا هو كأعظم ما يكون من الرجال خلقة وهو مجتب بسيف فقلت له‏:‏ خذ حذرك فإني قاتلك فقال‏:‏ من أنت فقلت‏:‏ أنا عمرو بن معدي كرب فشهق شهقة فمات فهذا أجبن من رأيت يا أمير المؤمنين‏.‏

وخرجت يومًا آخر حتى انتهيت إلى حيّ فإذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجته فقلت لي‏:‏ خذ حذرك فإني قاتلك قال‏:‏ من أنت‏.‏

قلت‏:‏ أنا عمرو بن معدي كرب فقال‏:‏ يا أبا ثور ما أنصفتني أنت على ظهر فرسك وأنا في بئر فاعطني عهدأ أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري فأعطيته عهدًا ألا أقتله حتى يركب فرسه ويأخذ حذره فخرج من الموضع الذي كان فيه ثم اجتبى بسيفه وجلس فقلت‏:‏ ما هذا قال‏:‏ ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت‏.‏

ثم إني خرجت يومًا آخر حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه فلم أر أحدًا فأجريت فرسي يمينًا وشمالًا فإذا أنا بفارس فلما دنا مني إذا هو غلام وجهه من أجمل من رأيت من الفتيان وأحسنهم وإذا هو قد أقبل من نحو اليمامة فلما قرب مني سلم فرددت عليه وقلت‏:‏ من الفتى فقال‏:‏ الحارث بن سعد فارس الشهباء فقلت له‏:‏ خذ حذرك فإني قاتلك فمضى ولم يلتفت إليّ فقلت له‏:‏ يا فتى خذ حذرك فإني قاتلك‏.‏

قال‏:‏ الويل لك من أنت قلت‏:‏ أنا عمرو بن معدي كرب قال‏:‏ الحقير الذليل واللّه ما يمنعني من قتلك إلا استصغارك قال‏:‏ فتصاغرت نفسي إليّ وعظم عندي ما استقبلني به فقلت له‏:‏ خذ حذرك فوالله لا ينصرف إلا أحدنا قال‏:‏ أغرب ثكلتك أمك فإني من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط فقلت‏:‏ هو الذي نسمع فاختر لنفسك فقال‏:‏ إما أن تطرد لي أو أطرد لك فاغتممتها منه فقلت‏:‏ أطرد لي فأطرد وحملت عليه حتى إذا قلت إني قد وضعت الرمح بين كتفيه إذا هو قد صار حزامًا لفرسه ثم اتبعني فقرع بالقناة رأسي وقال‏:‏ يا عمرو خذها إليك واحدة فواللّه لولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك فتصاغرت إلي نفسي وكان الموت والله يا أمير المؤمنين أحب إلى مما رأيت فقلت‏:‏ واللّه لا ينصرف إلا أحدنا فقال‏:‏ اختر لنفسك فقلت‏:‏ أطرد لي فأطرد فظننت أني قد تمكنت منه فاتبعته حتى إذا ظننتَ أني قد وضعت الرمح بين كتفيه فإذا هو قد صار لببًا لفرسه ثم اتبعني فقرع رأسي بالقناة وقال‏:‏ يا عمرو خذها إليك اثنتين فتصاغرت إلي نفسي فقلت‏:‏ والله لا ينصرف إلا أحدنا فقال‏:‏ اختر لنفسك فقلت‏:‏ أطرد لي فأطرد حتى إذا قلتَ وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه فإذا هو على الأرض فأخطأته ومضيت فاستوى على فرسه فاتبعني فقرع رأسي بالقناة وقال‏:‏ يا عمرو خذها إليك ثلاثًا ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك فقلت له‏:‏ اقتلني أحب إلي مما أرى بنفسي وأن يسمع فتيان العرب هذا فقال لي‏:‏ يا عمرو إنما العفو وكدت أغلاظا من الإيمان إن عدت يا عمرو إلى الطغيان لتوجزن لهب الشبان وإلا فلست من بني شيبان فلما قال هذا هِبْته هَيْبَة شديدة وقلت له إن بي إليك حاجة قال‏:‏ وما هي قلت‏:‏ أكون لك صاحبًا ورضيت بذلك يا أمير المؤمنين قال‏:‏ لسست من أصحابي وكان ذلك والله أشد وأعظم مما صنع فلم أزل أطلب إليه حتى قال‏:‏ ويحك وهل تدري أين أريد قلت‏:‏ لا قال‏:‏ أريد الموت عيانًا فقلت‏:‏ رضيت بالموت معك قال‏:‏ امض بنا فسرنا جميعًا يومًا حتى جننا الليل وذهب شطره فوردنا على حي من أحياء العرب فقال لي‏:‏ يا عمرو في هذا الحيّ الموت وأومأ إلى قبة في الحي فقال‏:‏ وفي تلك القبة الموت الأحمر فإما أن تمسك علي فرسي فأنزل فآتي بحاجتي وإما أن أمسك عليك فرسك وتأتيني بحاجتي فقلت‏:‏ لا بل انزل فأنت أعرف بموضِع حاجتك فرمى إلي بعنان فرسه ونزل ورضيت واللهّ يا أمير المؤمنين أن أكون له سايساَ ثم مضى حتى دخل القبة فاستخرج منها جارية لم تر عيناي قط مثلها حسنًا وجمالًا فحملها على ناقة ثم قال لي‏:‏ يا عمرو قلت‏:‏ لبيك قال‏:‏ إما أن تحميني وأقود أنا وإما أن أحميك وتقود أنت قلت‏:‏ لا بل تحميني وأقود أنا فرمى إليَّ بزمام ناقته ثم سرنا بين يديه وهو خلفنا حتى إذا أصبحنا قال لي‏:‏ يا عمرو قلت‏:‏ لبيك ما تشاء قال‏:‏ التفت فانظر هل ترى أحدًا فالتفت فقلت‏:‏ أرى جمالًا قال‏:‏ اغذذ السير ثم قال لي‏:‏ يا عمرو قلت‏:‏ لبيك قال‏:‏ انظر فإن كان القوم قليلأ فالجلد والقوة وهو الموت وإن كانوا كثيرًا فليسوا بشيء قال‏:‏ فالتفت فقلت‏:‏ هم أربعة وخمسة قال‏:‏ أغذ السير ففعلت وسمع وقع الخيل عن قرب فقال لي‏:‏ يا عمرو كن عن يمين الطريق وقف وحول وجوه دوابنا إلى الطريق ففعلت ووقفت عن يمين الراحلة ووقف هو عن يسارها ودنا القوم منا فإذا هم ثلاثة نفر فيهم شيخ كبير وهو أبو الجارية وأخواها غلامان شابان فسلموا فرددنا السلام ووقفوا عن يسار الطريق فقال الشيخ‏:‏ خل عن الجارية يا ابن أخي فقال‏:‏ ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها فقال لأصغر ابنيه‏:‏ اخرج إليه فخرج وهو يجر رمحه وحمل عليه الحارث وهو يرتجز ويقول‏:‏ من دون ما ترجوه خضب الذابل من فارس مستكتم مقاتل ينمي إلى شيبان خير وابل ما كان سيري نحوها بباطل ثم شد عليه فطعنه طعنة دق منها صلبه فسقط ميتًا‏.‏

فقال الشيخ لابنه الآخر‏:‏ اخرج إليه يا بني فلا خير في الحياة على الذل فخرج إليه فأقبل الحارث يرتجز ويقول‏:‏ لقد رأيت كيف كانت طعنتي والطعن للقرن شديد بهمتي والموت خير من فراق خلتي فقتلي اليوم ولا مذلتي ثم شد عليه فطعنه طعنة سقط منها ميتًا فقال له الشيخ‏:‏ خل عن الظعينة يا ابن أخي فإني لست كمن رأيت قال‏:‏ ما كنت لأخليها ولا لهذا قصدت فقال الشيخ‏:‏ اختر يا ابن أخي فإن شئت طاردتك وإن شئت نازلتك قال‏:‏ فاغتنمها الفتى فقال‏:‏ نازلني ثم نزل ونزل الشيخ وهو يرتجز ويقول‏:‏ ما أرتجي عند فناء عمري سَأجْعَلُ السنين مثل الشهر شيخ يحامي دون بيض الخدر إن استباح البيض قصم الظهر سوف ترى كيف يكون صبري فأقبل إليه الحارث وهو يرتجز ويقول‏:‏ بعد ارتحالي وطويل سفري وقد ظفرت وشفيت صدري والموت خير من لباس الغدر والعار أهديه لحيّ بكر ثم دنا فقال له الشيخ‏:‏ يا ابن أخي إن شئت ضربتك فإن بقيت فيك قوة ضربتني وإن شئت فاضربني فإن بقيت فيّ قوة ضربتك فاغتنمها الفتى فقال‏:‏ أنا أبدأ أول قال‏:‏ هات فرفع الحارث السيف فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه ضرب بطنه ضربة قدّ منها أمعاءه ووقعت ضربة الحارث في رأسه فسقطا ميتين فأخذت يا أمير المؤمنين أربعة أفراس وأربعة أسياف ثم أقبلت إلى الناقة فقدت أعنة الأفراس بعضها إلى بعض وجعلت أقودها فقالت لي الجارية‏:‏ يا عمرو إلى أين ولست لي بصاحب ولست كمن رأيت ولو كنت صاحبي لسلكت سبيلهم فقلت‏:‏ اسكتي قالت‏:‏ فإن كنت صادقًا فاعطني رمحًا أو سيفًا فإن غلبتني فأنا لك وإن غلبتك قتلتك فقلت لها‏:‏ ما أنا بمعطيك ذلك وقد عرفت أصلك وجرأة قومك وشجاعتهم فرمت بنفسها عن البعير ثم أقبلت إلي وهي ترتجز وتقول‏:‏ أبعد شيخي وبعد أخوتي أطلب عيشًا بعدهم في لذتي هلا يكون قبل ذا منيتي ثم أهوت إلى الرمح وكادت تنتزعه من يدي فلما رأيت ذلك منها خفت إن هي ظفرت بي أن تقتلني فقتلتها‏.‏

فهذا أشد ما رأيت يا أمير المؤمنين فقال عمر‏:‏ صدقت‏.‏

قال علماء السير‏:‏ قتل النعمان وطليحة وعمرو بن معدي كرب يوم نهاوند وقبورهم هناك‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ دفن عمرو بن معدي كرب برُوذة وهي بين قم والري وهناك مات‏.‏

ورثته امرأة فقالت‏:‏ لقد غادر الركب الذين تحملوا بروذة شخصًا لا ضعيفًا ولا غمرا فقل لزبيد بل لمذحج كلها فقدتم أبا ثور سبابتكم عمرا وإن تجزعوا لم تغن ذلك مغره ولكن سلوا الرحمن يعقبكم صبرًا عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم‏:‏ أمه أسماء بنت مخرمة أم أبي جهل فهو أخو أبي جهل لأمه‏.‏

أسلم قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وهاجر إلى الحبشه الهجرة الثانية ثم قدم مكة ثم هاجر إلى المدينة وصاحب عمر بن الخطاب فلما نزل قباء قدم عليه أخواه لأمه أبو جهل والحارث ابنا هشام فلم يزالا به حتى رداه إلى مكة فأوثقاه وحبساه ثم أفلت فقدم المدينة فلم يزل بها‏.‏

فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الشام مجاهدًا ثم عاد إلى مكة فتوفي بها رحمه الله‏.‏

النعمان بن عمرو بن مقرن

ابن عائذ بن عمرو‏:‏ شهد الخندق مع النبي صلى الله عليه وسلم في ستة أخوة له النعمان وسويد وسنان ومعقل وعقيل وعبد الرحمن‏.‏

وكان النعمان يحمل أحد ألوية مزينة الثلاثة يوم الفتح وكان أمير الناس يوم نهاوند وعلى ميمنته الأشعث بن قيس وعلى ميسرته المغيرة بن شعبة‏.‏

وكان النعمان أول قتيل قتل يومئذ على ما سبق ذكره‏.‏

 ثم دخلت سنة عشرين

ذكر ابن إسحاق

 أن فتح قيسارية

وهرب هرقل وفتح مصر كان في سنة عشرين‏.‏

وقد ذكرنا عن أبي معشر أن قيسارية فُتحت في سنة عشر‏.‏

وقال سيف‏:‏ فتحت مصر وقيسارية في سنة ست عشرة وقال أبو معشر‏:‏ فتحت إسكندرية في سنة عشرين‏.‏

قال الواقدي‏:‏ ومصر أيضَاَ‏.‏

وقال يزيد بن أبي حبيب‏:‏ فتحت مصر يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين‏.‏

وقال سيف‏:‏ فتحتا سنة ست وعشرين‏.‏

وقال زياد بن جراء الزبيدي‏:‏ فتحتا في سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين‏.‏

 ذكر الخبر عن فتح مصر والإسكندرية

قال ابن إسحاق‏:‏ لما فرغ عمر من الشام كلها كتب إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر فخرج حتى افتتح باب البون في سنة عشرين ثم افتتح القرى فأرسل صاحب الاسكندرية إلى عمرو بن العاص‏:‏ ‏"‏ قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إليَّ منكم‏:‏ فارس والروم فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علي ما أصبتم سبايا أرضي فعلت ‏"‏‏.‏

فبعث إليه عمرو بن العاص‏:‏ ‏"‏ إن ورائي أميرًا لا أستطيع أن أصنع أمرًا دونه فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عني حتى أكتب إليه ‏"‏‏.‏

فقال‏:‏ نعم فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر‏:‏ ‏"‏ اعرض على صاحب الاسكندرية أن يعطيك الجزية على أن تُخَيِّرُوا مَنْ في أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومِهِ فمن اختار الإسلام فهو من المسلمين ومن اختار دين قومه أدَّى الجزية كقومه فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة والمدينة واليمن فإنه لا يقدر على ردّهم‏"‏‏.‏

فقال صاحب الإسكندرية‏:‏ قد فعلت ثم فتحت لنا الإسكندرية فدخلناها‏.‏

وقال أبو عمر محمد بن يوسف التجيبي‏:‏ قال سعيد بن عفير عن أشياخه‏:‏‏:‏ لما جاز المسلمون الحصن يعني حصن مصر أجمع عمرو على المسير إلى الإسكندرية فسار إليها في ربيع الأول سنة عشرين وأمر بفسطاطه أن يقوَّض فإذا بحمامة وقد باضت في أعلاه فقال‏:‏ لقد تحرمت بجوارنا أقرّوها الفسطاط حتى تطير فراخها‏.‏

فأقروا الفسطاط ووكل به أن لا تهاج حتى تشتد فراخها فبذلك سُميت الفسطاط فسطاطًا‏.‏

أخبرنا محمد بن الحسين وإسماعيل بن أحمد قالا‏:‏ أخبرنا ابن النقور أخبرنا المخلص أحمد بن عبد اللّه حدِّثنا السري بن يحيى أخبرنا شعيب حدَثنا سيف حدَّثنا أبو عثمان عن خالد وعبادة قالا‏:‏ خرج عمرو إلى مصر بعدما رجع عمر إلى المدينة حتى انتهى إلى باب مصر واتبعه الزبير فاجتمعا فلقيهم هناك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف الذي بعثّه المقوقس لمنع بلادهم فلما نزل بهم عمرو قاتلوه فأرسل إليهم‏:‏ لا تعجلوا لنقدر إليكم وتروا رأيكم بعد فكفوا أصحابكم‏.‏

وأرسل إليهم عمرو فإني بارز فليبرز إليَّ أبو مريم وأبو مرياهم‏.‏

فأجابوه إلى ذلك وأمن بعضهمِ بعضًا فقال لهما عمرو‏:‏ أنتما راهبا هذه المدينة فاسمعا‏:‏ إِنَّ اللّه عز وجل بعث محمداَ صلى الله عليه وسلم بالحق وأمره به فأمرنا به محمد صلى الله عليه وسلم وأدَّى إلينا كل الذي أمر به ثم مضى وقد قضى الذي عليه وتركنا على الواضحة وكان مما أمرنا به الاعتذار إلى الناس فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا إليه قبلناه ومن لم يجبنا إليه عرضنا عليه الجزية وقد أعلمنا أننا مفتتحوكم وأوصانا بكم حفظًا لرحمنا فيكم فإن لكم إن أجبتمونا إلى ذلك ذمة إلى ذمّة ومما عهد إلينا أميرنا ‏"‏ استوصوا بالقبطيين خيرًا ‏"‏ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني بالقبطيين خيرًا لأن لهم رحمًا وذمة‏.‏

فقالا‏:‏ قرابة بعيدة فلا يصل مثلها إلا الأنبياء وأتباع الأنبياء معروفة شريفة كانت بنت ملكنا فصارت إلى إبراهيم مرحبًا بك وأهلًا أمّنا حتى نرجع إليك‏.‏

فقال عمرو‏:‏ إن مثلي لا يُخدع ولكني أؤجلكما ثلاثا لتنظرا أو لينظر قومكما وإلا ناجزتكم‏.‏

فقالا‏:‏ زدنا‏.‏

فزادهما يومًا‏.‏

قالا‏:‏ زدنا‏.‏فزادهما يومًا فرجعا إلى المقوقس فهم فأبى أرطبون ن يجيبهما وأمر بمناجزتهم فركب المسلمون أكتافهم وقال أهل الفسطاط يعني مصر لملكهم‏:‏ ما تريد إلى قوم قد قتلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم صالح القوم‏.‏

وكان صلحهم‏:‏ هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر الأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصليبهم وعليهم أن يُعطوا الجزية ومَنْ دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم ومَنْ أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه فدخل في ذلك أهل مصر وقبلوا الصلح‏.‏

فمصَّر عمرو الفسطاط وتركه المسلمون وأمَّره عمر رضي اللّه عنه عليها فأقام بها ووضع مسالح مصر على السواحل وغزة وكان داعية ذلك أن قيصر غزا مصر والشام في البحر ونهد لأهل حمص بنفسه‏.‏

 ذكر زوال السنة السيئة التي كانت في نيل مصر

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري قال‏:‏ حدَّثنا عبد الرحمن بن عمير بن النحاس قال‏:‏ أخبرنا محمد بن حفص الحضرمي قال‏:‏ حدِّثنا حسن بن عرفة الأنصاري قال‏:‏ حدَثني هانىء بن المتوكل قال‏:‏ حدَّثنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج قال‏:‏ لما فتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونة من أشهر العجم فقالوا له‏:‏ أيها الأمير إن لنيلنا هذا سُنَّة لا يجري إلا بها‏.‏

فقال لهم‏:‏ وما ذاك قالوا‏:‏ إذا دخلت ثنتا عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أباها وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في النيل‏.‏

قال لهم‏:‏ إن هذا لا يكون في الإسلام إن الإسلام يهدم ما كان قبله‏.‏

فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى لا يجري قليلًا ولا كثيرًا حتى هموا بالجلاء عنها فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر رضي اللّه عنه بذلك فكتب إليه عمر‏:‏ ‏"‏ إنك قد أصبت لأن الإسلام يهدم ما كان قبله ‏"‏ وكتب بطاقة داخل كتابه وكتب إلى عمرو‏:‏ ‏"‏ إني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي فألقها في النيل فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة فإذا فيها‏:‏ ‏"‏ من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد‏:‏ فإن كنت تجري من قِبَلك فلا تجر وإن كان اللّه الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك ‏"‏ فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل‏.‏

فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه اللّه ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة فقطع الله تلك السُّنَّة السوء عن أهل مصر إلى اليوم‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏

 غزا أبو بَحْرِية الكندي عبد الله بن قيس أرض الروم

وهو أول من دخلها فيما قيل‏.‏

وقيل‏:‏ أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي فسلم وغنم‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏

 زلزلت المدينة‏.‏

أخبرنا أحمد بن علي المجلي قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قالت‏:‏ أخبرنا أبو الحسن بن بشران قال‏:‏ أخبرنا ابن صفوان قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن محمد القرشي قال‏:‏ حدَّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الباهلي قال‏:‏ حدَثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن صفية قالت‏:‏ زلزلت المدينة على عهد عمر رضي اللّه عنه فقال‏:‏ أيها الناس ما أسرع ما أحدثتم لئن عادت لا أساكنكم فيها‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ عزل عمر قدامة بن مظعون عن البحرين وحده في شراب شربه واستعمل عمر أبا هريرة وقيل‏:‏ أبا بكرة على اليمامة والبحرين‏.‏

وفيها‏:‏

 قسم عمر خيبر بين المسلمين وأجلى منها اليهود

لأنهم قد بدَعوا أبدًا ابن عمر‏.‏

وفيها‏:‏

 بعث أبا حبيبة إلى أهل فدك

فأعطاهم نصف الأرض ومضى إلى وادي القرى فقسمها وفيها‏:‏ بعث عمر علقمة بن محرز المدلجي إلى الحبشة في مائتي رجل حملهم في أربع مراكب فأصيبوا فنجا منهم فحلف عمر لا يحمل فيه أحدًا أبدًا‏.‏

وفيها‏:‏ حج عمر رضي اللّه عنه بالناس‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أسيد بن حُضير بن سماك بن عتيك بن امرىء القيس‏.‏

كان أبوه شريفًا في الجاهلية رئيس الأوس يوم بعاث وكان أسيد بعد أبيه شريفًا في قومه يُعد من ذوي العقول والأراء وكان يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي وكان في الجاهلية يُسَمُّون مَنْ جُمع فيه هذه الخصال‏:‏ ‏"‏ الكامل ‏"‏‏.‏

وأسلم هو وسعد بن معاذ على يدي مصعب بن عمير في يوم واحد وشهد أسيد العقبة الأخيرة مع السبعين وكان أحد النقباء الاثني عشر ولم يشهد بدرًا لأنه لم يظن أنه يجري قتال وشهد أحدًا وثبت يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرح بسبع جراحات وشهد الخندق والمشاهد بعده‏.‏

أخبرنا ابن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا أبو إسحاق البرمكي قال‏:‏ أخبرنا ابن حيوية قال‏:‏ أخبرنا ابن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا يزيد بن هارون وعفان وسليمان بن حرب قالوا‏:‏ حدَّثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال‏:‏ كان أسيد بن خضير وعباد بن بشر عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة حِنْدِسٍ فتحدثا عنده حتى إذا خرجا أضاءت لهما عصا فمشيا في ضوئها فلما تفرق بهما الطريق أضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشى في ضوئها‏.‏

أخرجه البخاري‏.‏

توفي أسيد بن خصيرم في شعبان في هذه السنة فصلى عليه عمر بالبقيع‏.‏

بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ويكنى أبا عبد اللّه‏.‏

من مولدي السراة واسم أمه حمامة وكان أدم شديد الأدمة نحيف طوَالًا أحنى أشفر له شعر كثير خفيف العارضين به سُمَطٌ كثير لا يُغَيَّرُ‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا ابن حيوية قال‏:‏ أخبرنا ابن معروف قال‏:‏ أخبرنا ابن الفهم قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي مزود عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال‏:‏ كان بلال بن رباح من المستضعفين وكان يعذب حين أسلم ليرجع عن دينه فما أعطاه قط كلمة مما يريدون وكان الذي يعذبه أمية بن خلف‏.‏

قال محمد بن سعد‏:‏ وأخبرنا عثمان بن عمر ومحمد بن عبد اللّه الأنصاري قالا‏:‏ حدَثنا عون بن عمير بن إسحاق قال‏:‏ كان بلال إذا اشتدوا عليه في العذاب قال‏:‏ أحد أحدٌ‏.‏

قال‏:‏ فيقولون له‏:‏ قل كما نقول‏.‏

فيقول‏:‏ إن لساني لا يحسنه‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ وأخبرنا جرير عن منصور عن مجاهد قال‏:‏ أول مَنْ أظهر الإسلام بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أبو بكر وبلال وخباب وصهيب وعمَار وسمية وأم عمار‏.‏

فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه عمر وأما أبو بكر فمنعه قومه وأخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ فأعطوهم ما سألوا فجاء إلى كل رجل منهم قومه بأنطاع الأثم فيها الماء فألقوهم فيه وحملوا جوانبه إلا بلالًا فلما كان العشاء جاء أبو جهل فجعل يشتم سمية ويرفث ثم طعنها فقتلها فهي أول شهيد استشهد في الإسلام‏.‏

وأما بلال فإنه هانت عليه نفسه في اللّه‏.‏

حتى ملُّوه فجعلوا في عنقه حبلًا ثم أمروا صبيانهم أن يشتدُوا به بين أخْشَبيْ مكَة فجعل يقول‏:‏ أحَدٌ أحَدٌ‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ وأخبرنا عامر بن الفضل قال‏:‏ حدَثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد‏:‏ أن بلالًا ألقوه في البطحاء وجلدوا ظهره فجعلوا يقولون‏:‏ ربك اللات والعزة‏.‏

فيقول‏:‏ أحد أحد‏.‏

فأتى عليه أبو بكر فقال‏:‏ علام تعذبون هذا الانسان‏.‏

فاشتراه بسبع أواق فأعتقه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ الشركة يا أبا بكر ‏"‏ قال‏:‏ قد أعتقته يا رسول اللّه‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ أنبأنا الحميدي قال‏:‏ حدَثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس قال‏:‏ اشترى أبو بكر بلالًا بخمس أواقٍ‏.‏

وأخبرنا الفضل بن دكين قال‏:‏ حدَثنا عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله‏:‏ أن عمر رضي اللّه عنه كان يقول‏:‏ أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالًا‏.‏

قال علماء السير‏:‏ شهد بلالٌ بدرًا والمشاهد كلها مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأذَّن يوم الفتح على ظهر الكعبة والحارث بن هشام وصفوان بن أمية قاعدان فقال‏:‏ أحدهما للآخر‏:‏ أنظر إلى هذا الحبشي فقال الآخر‏:‏ إن يَكْرَهْهُ اللَّهُ يُغَيِّرْه‏.‏

ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بلال يؤذَن فإذا قال ‏"‏ أشهد أن محمدًا رسول الله ‏"‏ انتحب الناس فلما دفن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال له أبو بكر‏:‏ أذن‏.‏فقال له‏:‏ إن كنت إنما اعتقتني لأن أكون معك فسبيل ذلك وإن كنت أعتقتني للّه فخلني ومن أعتقتني له‏.‏

فقال‏:‏ ما اعتقتك إلا للّه‏.‏

قال‏:‏ فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال‏:‏ فذاك إليك‏.‏

قال‏:‏ فأقام حتى خرجت بعوث الشام فسار معهم‏.‏

وقيل‏:‏ إنما أقام حياة أبي بكر فلما ولي عمر رحل إلى الشام فمات هناك في هذه السنة‏.‏

وهو ابن بضع وستين سنة‏.‏

خويلد بن مرة أبو خراش الهذلي شاعر مُجيد من شعراء هذيل أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم ولم أر أحدًا ذكره في الصحابة وعاش بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى مات في خلافة عمر نهشته أفعى فمات وكان إذا عدا سبق الخيل‏.‏

قال الأصمعي‏:‏ حدًثني رجل من هذيل قال‏:‏ دخل أبو خراش الهذلي مكة وللوليد بن المغيرة فرسان يريد أن يرسلهما في الحلبة فقال للوليد‏:‏ ما تجعل لي إن سبقتهما‏.‏

قال‏:‏ إن فعلت ذلك فهما لك‏.‏

فأرسلا وعدا بينهما فسبقهما وأخذهما‏.‏

زينب بنتَ جحش‏.‏

تزوجها زيد بن حارثة ثم طلقها فتزوجها رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم في سنة أربع وبسببها نزلت أية الحجاب وكانت تفخر على النساء فتقول‏:‏ زوجكن أهاليكن وزوَّجني اللهّ من فوق سبع سموات ولما نزل قوله عز وجل‏:‏ ‏"‏ زوجناكها ‏"‏ دخل عليها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بلا إذن وكانت تعمل بيدها وتتصدق‏.‏

أخبرنا عبد اللهّ بن علي المقرىء ومحمد بن ناصر الحافظ قالا‏:‏ أخبرنا طراد بن محمد أخبرنا علي بن محمد بن بشران حدَثنا ابن صفوان حدًثنا أبو بكر القرشي قال‏:‏ حدَثنا يزيد بن هارون عن محمد بن عمر قال‏:‏ حدَّثني يزيد بن خصيفة عن عبد اللّه بن رافع عن برزة بنت رافع قالت‏:‏ لما جاء العطاء بعث عمر رضي الله عنه إلى زينب بنت جحش بالذي لها فلما دخل عليها قالت‏:‏ غفر اللهّ لعمر لغيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني‏.‏

قالوا‏:‏ هذا كله لك‏.‏

فقالت‏:‏ سبحان الله‏.‏

واستترت دونه بثوب وقالت‏:‏ صبّوهُ واطرحوا عليه ثوبًا‏.‏

وقالت لي‏:‏ أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى فلان وإلى فلان من أيتامها وذوي رحمها فقسمته حتى بقيِت منه بقية فقالت لها برزة‏:‏ غفر اللهّ لك واللّه لقد كان لنا في هذا حظ قالت‏:‏ فلكم ما تحت الثوب‏.‏

قالت‏:‏ فرفعنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهمًا ثم رفعت يديها فقالت‏:‏ اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا فماتت قبل الحول‏.‏

أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الجوهري أخبرنا ابن حيوية أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحسين بن الفهم حدَّثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدِّثني محمد بن عبد اللّه عن الزهري عن سالم عن أبيه قال‏:‏ قال رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع نسائه‏:‏ ‏"‏ أطولكن باعًا أسرعكن لحوقًا بي ‏"‏ فكن يتطاولن إلى الشيء إنما عنى رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم بذلك الصدقة‏.‏

وكانت زينب امرأ صيعًا وكانت تتصدق به وكانت أسرع نسائه به لحوقًا‏.‏

قال محمد بن عمر‏:‏ وحدَّثني موسى بن عمران عن عاصم بن عبد اللهّ عن عبد اللهّ بن عامر بن ربيعة قال‏:‏ رأيت عمر بن الخطاب رضي اللهّ عنه صلى على زينب بنت جحش سنة عشرين في يوم صائف ورأيت ثوبًا مُدَّ على قبرها وعمر قائم والأكابر من أصحاب رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم قيام فأمر عمر محمد بن عبد اللّه بن جحش وأسامة بن زيد وعبد اللهّ بن أبي أحمد بن جحش ومحمد بن طلحة وهو ابن أختها فنزلوا من قبرها‏.‏

قالوا‏:‏ وتوفيت بنت ثلاث وخمسين سنة‏.‏

سعيد بن عامر بن حذيم بن سلامان‏.‏

أسلم قبل خيبر وشهدها مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وما بعدها‏.‏

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا ابن حيوية قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن معروف قال‏:‏ أخبرنا ابن الفهم قال‏:‏ حدَّثنا ابن سعد قال‏:‏ حدَّثنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي قال‏:‏ حدَّثنا مسعود بن سعد الجعفي قال‏:‏ حدَّثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن سابط قال‏:‏ أرسل عمر إلى سعيد بن عامر فقال‏:‏ إنا مستعملوك على هؤلاء تسير بهم إلى أرض العدو فتجاهد بهم‏.‏

فقال‏:‏ يا عمر لا تفتني فقال عمر‏:‏ واللهّ لا أدعكم جعلتموها في عنقي ثم تخليتم مني إنما أبعثك على قوم لست بأفضلهم ولست أبعثك لتضرب أبشارهم ولا تنتهك أعراضهم ولكن تجاهد بهم عدوهم وتقسم بينهم فيهم‏.‏

فقال‏:‏ اتق الله يا عمر أحب لأهل الإسلام ما تحب لنفسك وحض العمرات إلى الحق حيث علمته ولا تخش من اللّه لومة لائم‏.‏

فقال عمر‏:‏ ويحك يا سعيد ومن يطق هذا فقال‏:‏ من وضع اللّه في عنقه مثل الذي وضع في عنقك إنما عليك أن تأمر فيُطاع أمرك أو تترك فيكون لك الحجة‏.‏

فقال عمر‏:‏ إنا سنجعل لك رزقًا‏.‏

قال‏:‏ لقد أعطيت ما يكفيني دونه يعني عطاءه وما أنا بمزداد من مال المسلمين شيئًا‏.‏

قال‏:‏ وكان إذا خرج عطاؤه نظر إلى قوت أهله من طعامهم وكسوتهم وما يصلحهم فيعزله وينظر إلى بقيته فيتصدق به فيقول أهله‏:‏ أين بقية المال فيقول‏:‏ أقرضته‏.‏

قال‏:‏ فأتاه نفر من قومه فقالوا‏:‏ لولا أن لأهلك عليك حقًا وإن لأصهارك عليك حقًا وإن لقومك عليك حقًا‏.‏

فقال‏:‏ ما استأثر عليهم أن يرى لمع أيديهم وما أنا بطالب أو ملتمس رضى أحد من الناس بطلبي الحور العين الذي لو اطلعت واحدة منهن لأشرقت لها الأرض كما تشرق الشمس وما أنا بمستخلف عن العتق الأول بعد أن سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ يجيء فقراء المهاجرين يزفون كما يزف الحمام قال‏:‏ فيقال لهم‏:‏ قفوا للحساب‏.‏

فيقولون‏:‏ واللِّه ما تركنا شيئًا يحاسب به‏.‏

فيقول اللّه عز وجل‏:‏ صدق عبادي‏.‏

فيدخلون الجنة أقبل الناس بسبعين عامًا ‏"‏‏.‏

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك أخبرنا أحمد بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد اللّه الأصبهاني حدَّثنا محمد بن عبد اللّه حدَثنا الحسن بن علي الطوسي حدَّثنا محمد بن عبد الكريم العبدي حدَّثنا الهيثم بن علي حدَّثنا ثور بن يزيد حدَثنا خالد بن معدان قال‏:‏ استعمل عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن حذيم فلما قدم عمر حمص قال‏:‏ يا أهل حمص كيف وجدتم عاملكم فشكوه إليه وكان يقال لحمص الكويفة الصغرى لشكايتهم العمال قالوا‏:‏ فشكوا أربعًا‏:‏ لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار‏.‏

قال‏:‏ أعظم بها‏.‏

قال‏:‏ وماذا قالوا‏:‏ لا يجيب أحدًا بالليل‏.‏

قال‏:‏ وعظيمة‏.‏

قال‏:‏ وماذا قالوا‏:‏ وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا قال‏:‏ عظيمة‏.‏

قال‏:‏ وماذا قالوا‏:‏ يغبط الغبطة بين الأيام أي تأخذه موتة قال‏:‏ فجمع عمر بينهم وبينه وقال‏:‏ اللهم لا يُقبل رأي فيه اليوم ما تشكون منه‏.‏

قال‏:‏ ولا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار‏.‏

قال‏:‏ واللّه إن كنت لأكره ذكره ليس لي ولأهلي خادم فأعجن عجيني ثم أجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم‏.‏

فقال‏:‏ ما تشكون منه فقالوا‏:‏ لا يجيب أحدًا بالليل‏.‏

قال‏:‏ ما يقولون‏.‏

قال‏:‏ إن كنت لأكره ذكره إني جعلت النهار لهم والليل للّه عز وجل‏.‏

قال‏:‏ وما تشكون منه قالوا‏:‏ إن له يومًا في الشهر لا يخرج إلينا فيه‏.‏

قال‏:‏ ما يقولون‏.‏

قال‏:‏ ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبدلها فأجلس حتى تجف ثم أدلكها ثم أخرج إليهم من آخر النهار‏.‏

قال‏:‏ ما تشكون منه قالوا‏:‏ يغبط الغبطة بين الأيام‏.‏

قال‏:‏ ما يقولون‏.‏

قال‏:‏ شهدت مصرع حبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جدعهِ فقالوا‏:‏ أتحب أن محمدًا مكانك قال‏:‏ والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمدًا أشيك بشوكة‏.‏

ثم نادى‏:‏ يا محمد ما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أؤمن باللّه العظيم إلا ظننتَ أن اللّه لا يغفر لي ذلك الذنب أبدًا فتصيبني تلك الغبطة‏.‏

فقال عمر‏:‏ الحمد للّه الذي لم يقبل فراستي‏.‏

فبعث إليه بألف دينار وقال‏:‏ استعن بها على أمرك‏.‏

فقالت امرأته‏:‏ الحمد للهّ الذي أغنانا عن خدمتك‏.‏

فقال لها‏:‏ فهل لك في خير من ذلك ندفعها إلى مَنْ يأتينا بها أحوج ما يكون إليها‏.‏

قالت‏:‏ نعم‏.‏

فدعى رجلًا من أهله يثق به فصرَّرها صُررًا ثم قال‏:‏ انطلق بهذه إلى أرملة آل فلان وإلى يتيم آل فلان وإلى مسكين آل فلان وإلى مبتلى آل فلان فبقيت منها ذهبية فقال‏:‏ انفقي هذه‏.‏

ثم عاد إلى عمله‏.‏

فقالت‏:‏ ألا تشتري لنا خادمأ ما فعل ذلك المال‏!‏ قال‏:‏ سيأتيك أحوج ما تكونين‏.‏

توفي سعيد في هذه السنة‏.‏

عياض بن غنم بن زهير الفهري‏.‏

شهد الحديبية مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وحضر فتح المدائن مع سعد بن أبي وقاص وفتح فتوحًا كثيرة ببلاد الشام ونواحي الجزيرة ولما احتضر أبو عبيدة بالشام ولى عياض بن غنم عمله فأقره عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعثه سعد إلى الجزيرة فنزل بجنده على الرها فصالحه أهلها على الجزية وصالحت حران حيث صالحت الرها فكان فتح الجزيرة والرها وحران والرقة على يده في سنة ثمان عشرة وكتب لهم كتابًا وكان جودًا فقيل لعمر‏:‏ إنه يبذر المال‏.‏

فقال‏:‏ إن سماحه في ذات يده فإذا بلغ مال اللّه لم يعط منه شيئًا فلا أعزل مَنْ ولاّ أبو عبيدة‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدّثني الأزهري حدَثنا أحمد بن إبراهيم حدَّثنا أحمد بن سليمان الطوسي حدَّثنا الزبير بن بكار قال‏:‏ كان عياض بن غنم شريفًا وله فتوح بنواحي الجزيرة‏.‏

في زمان عمر وهو أول من أجاز الدرب إلى أرض الروم‏.‏

أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا ابن حيوية قال‏:‏ أخبرنا ابن معروف قال‏:‏ أخبرنا ابن الفهم قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدَّثني أبو بكر بن عبد اللّه عن موسى بن عقبة قال‏:‏ لما ولي عياض بن غنم قدم عليه نفر من أهل بيته يطلبون صلته فلقيهم بالبشر وأنزلهم وأكرمهم فأقاموا أيامًا ثم كلموه في الصلة وأخبروه بما لقوه من المشقة في السفر رجاء صلته فأعطى كل رجل منهم عشرة دنانير وكانوا خمسة فردّوها وتسخطوا ونالوا منه فقال‏:‏ أي بني عم واللّه ما أنكر قرابتكم ولا حقكم ولا بعد شقتكم ولكن واللّه ما خلصت إلى ما وصلتكم به إلا ببيع خادمي وبيع ما لا غنى لي عنه فاعذروا‏.‏

قالوا‏:‏ واللّه ما عذرك الله فإنك والي نصف الشام وتعطي الرجل منا ما جهده يبلغه إلى أهله‏.‏

قال‏:‏ فتأمرونني أن أسرق مال اللّه فواللّه لئن أشق بالمنشار أحبّ إليّ من أن أخون فلسًا أو أتعدى‏.‏

قالوا‏:‏ عذرناك في ذات يدك فَوَلَنا أعمالأ من أعمالك نؤدي ما يؤدي الناس إليك ونصيب من المنفعة ما يصيبون فأنت تعرف حالنا وأنا ليس نعدو ما جعلت لنا‏.‏

قال‏:‏ والله لأني أعرفكم بالفضل والخير ولكن يبلغ عمر أني ولَيت نفرًا من قومي فيلومني‏.‏

قالوا‏:‏ فقد ولَّاك أبو عبيدة وأنت منه في القرابة بحيث أنت فانفذ ذلك عمر فلو وليتنا أنفذه‏.‏

قال‏:‏ إني لست عند عمر كأبي عبيدة‏.‏

فمضوا لائمين له‏.‏

ومات ولا مال له ولا عليه دين لأحدٍ سنة عشرين وهو ابن ستين سنة‏.‏

مالك بن التيهان أبو الهيثم كان يكره الأصنام في الجاهلية ويقول بالتوحيد هو وأسعد بن زرارة وكان أول من أسلم من الأنصار الذين لقوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بمكة ثم شهد العقبة مع السبعين وهو أحد النقباء الاثني عشر شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبعثه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى خيبر خارصًا‏.‏

وتوفي بالمدينة في هذه السنة‏.‏

هرقل ملك الروم‏.‏

وقد سبقت أخباره ومكاتبة الرسول صلى الله عليه وسلم إياه وغير ذلك‏.‏

أم ورقة بنت الحارث أسلمت وبايعتَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكانت قد جمعت القرآن وأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تَؤُمَّ أهل دارها فكانت تَؤُمهم‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن سليمان قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن أحمد الحداد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن عبد اللّه الحافظ قال‏:‏ حدَّثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن قال‏:‏ حدَّثنا إسحاق الحربي قال‏:‏ حدَّثنا أبو نعيم قال‏:‏ حدَّثنا الوليد بن جميع قال‏:‏ حدَّثتني جدتي عن أمها أم ورقة بنت عبد اللهّ بن الحارث الأنصارية وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة وكانت قد جمعت القرآن وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين غزا بدرًا قالت له‏:‏ ائذن لي فأخرج معك وأداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي الشهادة‏.‏

قال‏:‏ إن اللّه عز وجل مهدٍ لك الشهادة حتى عدى عليها جارية وغلام لها كانت قد دبّرتهما فقتلاها في إمارة عمر رضي الله عنه فقال عمر‏:‏ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ انطلقوا بنا نزور الشهيدة‏.‏